الشريف الرضي
88
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة ، ثم انتقلت إلى أبي علي ) . قال : كان أبو علي يقول : قراءة من قرأ بتسكين التاء أجود ، لأنها قد قالت ( رب اني وضعتها أنثى ) ، فليس يحتاج بعد هذا القول أن تقول : ( والله أعلم بما وضعت ) . ووجه قراءة من قرأ بضم التاء : أن ذلك كما يقول القائل في الشئ : رب قد كان كذا وكذا - وأنت أعلم - ، ليس يريد إعلام الله سبحانه ذلك ، ولكنه من قبيل التعظيم والخضوع والاستسلام والبخوع [ 1 ] ، وكقول القائل : اللهم إني عبدك وابن عبدك ، وكقول الرجل لرب نعمته أنا غرس نعمتك ورقيق نعمتك . قال : ومما يقوي قول من أسكن التاء قوله سبحانه : ( والله أعلم بما وضعت ) ، ولو كان من صلة قول أم مريم ( ع ) لكانت تقول : وأنت أعلم بما وضعت ، لأنها تخاطب الله سبحانه : قلت أنا : وهذا القول غير سديد ، لأنه لا يمتنع أن يكون ذلك من قول أم مريم ، وتقول مع ذلك : ( والله أعلم بما وضعت ) على مجرى العادة في خطاب المعظم من العدول معه من كاف المواجهة إلى هاء الكناية ، وفي القرآن مثل ذلك كثير في خطاب الله تعالى وخطاب غيره : من خروج عن كناية إلى مواجهة ومن مواجهة إلى كناية ، ألا ترى إلى قوله سبحانه : ( الحمد لله رب العالمين ) ثم : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ، والى قوله تعالى : ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ) [ 2 ] إلى غير ذلك مما في معناه ، فأما من قرأ : ( 2 ) يونس 32 .
--> ( 1 ) البخوع : كالخنوع والخنوع والخضوع وزنا ومعنى